التنافس في شهر الصيام وفرص التلاوة والتدبر / المهابة محمد مياره الشنقيطي

الصيام منهج قرآني وتربية إلهية ونظام معتمد في الإسلام لدى كافة الأنبياء والرسل وهم جميعا جاؤوا بالدعوة إلى الايمان والنبوة والمعاد، والقرآن الذي هو الخاتم والمهيمن هو المدرسة الربانية التي تعطي للآخرة مساحتها الحقيقية في التفكير والوعي والسلوك كما تصلح القلب، وتزكي النفس، وتطرد الغفلة والجاهلية من حياة الناس، وتزود الإنسان ببصائر الإيمان واليقين والعلم حتى تكون له دعوة مستجابة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لحامل القرآن دعوة مستجابة) رواه مسلم.

والحامل هنا ليس بالضرورة هو الحافظ لنصه في الصدر فحسب بل قد يكون حاملا وليس حافظا له، وقد يكون حافظا للنص وليس حاملا له، وقد يكون حافظا وحاملا في آن معا، وفي “الحمل” معان عظيمة يتصف بها الحامل، فهو يحمل هداية القرآن ودعوته، وفكره وهمَّه، وحدوده ومقاصده، وأوامره وزواجره، ويتصف بالمهارة فيه، وفي تدبره وتعليمه: “قال صلى الله عليه وسلم (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)، رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم (يُقالُ لِصاحبِ القرآنِ: اقرَأْ، وارْقَ، ورتِّلْ، كما كنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا؛ فإنَّ مَنزِلتَك عندَ آخِرِ آيةٍ تقرَؤها) أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وأحمد واللفظ له.

فكيف إذا اجتمعت معاني القرآن والتلاوة والتدبر مع القيم الرمضانية في موسم واحد وفي قلب واحد؟

قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)

وقال صلى الله عليه وسلم:( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري.

إنه الشهر الذي تُقيَّد فيه الشياطين بالسلاسل والأغلال، وتُفتَّح أبواب الجنان، وتُغلَّق أبواب النيران، وتبسط البسط، وتعرض الموائد الربانية لعباد الله، وتُضاعف لهم الحسنات، وتُساق قلوبهم وجوارحهم إلى ميادين الأعمال الصالحة شوقا ورغبة وتفضلا من الله تعالى على خلقه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ : يا باغيَ الخيرِ أقبلْ ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ ، وللهِ عتقاءُ من النارِ ، وذلك كلَّ ليلةٍ). رواه أبو هريرة وأخرجه الترمذي وابن ماجه وحسنه الالباني.

إنه حقا شهر القرآن والتلاوة والعمل، وشهر الصيام والصبر والثبات، وليس الصيام مجرد صوم عن الأكل والشرب وسائر المفطرات فحسب بل هو صوم اللسان والجوارح والقلب عما سوى الله تعالى.

قال صلى الله عليه وسلم: “مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ”

: صحيح البخاري

ولا شك أن الصوم الحقيقي الذي تتكامل وتتداخل فيه الفضائل والأحكام والآداب في كيان واحد باعث على تحقيق قيم التقوى، وكسر الشهوات، وتطويع النفوس وتطهيرها من الخسائس والوساوس والرعونات. قال تعالى:” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”.

وهكذا فالصوم دورة تدريبية للبدن والروح والعقل والنفس على معاني التقوى بماهي خوف وحذر ووقاية واحتراز ويقظة قوية للضمير والقلب، هذا فضلا عن كونه شريعة مشتركة بين جميع الأنبياء والرسل، وتوبةً في الظاهر والباطن وإقلاعا عن الأعمال الفاسدة وتحقُّقاً بالأعمال الصالحة قولا وعملا وروحا حتى تتغير بذلك الوجهة والقصد والطريق؛ لذا تتفاوت مقامات الناس ومنازلهم في الصيام: قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله ” وللصوم ثلاث مراتب: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص. فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة. وأما صوم الخصوص: فهو كف النظر واللسان واليد والرجل والسمع والبصر، وسائر الجوارح عن الآثام.

وأما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية”(الكلم الطيب).

وهكذا فالقرآن مدرسة ربانية وجدانية وسطية تطبيقية متوازنة شاملة للتلاوة والتزكية والتعليم في ظلها يتحقق المعنى الجوهري للدين بما هو خضوع قلبي يجسد الاستجابة الوجدانية القائمة على الخوف والإنابة والاستسلام والإحسان في الفهم والتدين والقول والعمل والسمت.

ولا جَرَم أن التلاوة في رمضان من أعظم الفرص النادرة، ومن أجل أبواب الرحمة والهداية والخير والمكاسب العظيمة لما يحصل في رمضان من التوبة والاستجابة والرغبة والتحفز لنيل الأجر والثواب، والبعد عن هوى النفس، وحبائل الشيطان، ومضلات الفتن.  ومن هنا كانت التلاوة والتدبر والترتيل والتفكر في الآيات القرآنية والكونية من أعظم المنازل وأشرف المراتب التي تورث حقائق العلم والإيمان والرقي في مدارج المعارف الربانية سيرا إلى الله تعالى وطيا للمسافات وتحقيقا لمطالب القلب والروح التي هي من أفضل مواريث الأنبياء والرسل قال ابن القيم:” وأحسن ما أنفقتْ فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته”.  مفتاح دار السعادة ص608

والقرآن والتلاوة وجهان لعملة واحدة، فالقرآن موضوع والتلاوة أداته التي تخرج كنوزه وفوائده، وتتجلى نورا في القلب، وحكمة في اللسان، ورحمة في السلوك والحياة.

وليست مقاصد التلاوة إلا الأهداف والغايات التي نسعى إلى تحقيقها من خلال القراءة والتلقي ومكابدة القرآن ومعاناة فهمه وتأمله وتعقله وأخذ العبرة اللازمة منه.

وهنا يتعين علينا أن نقرأ القرآن ونتلوه حق تلاوته تجويدا وترتيلا؛ وذلك بإخراج الحروف من مخارجها وإعطائها حقها ومستحقها من الصفات اللازمة والصفات العارضة مع الحرص على الامتثال بما يحقق مفهوم الترتيل قال تعالى: “ورتل القرآن ترتيلا”.

فترتيل القرآن تلاوته بالتمهل والترسل والتؤدة والانتفاع به تحقيقا للحروف بلا تعجل، ولا ترعيد ولا هذرمة ولا ترقيص ولا تطريب بل بالتجويد والسكينة والخشوع والهيبة والوقار.

وهكذا فالترتيل منهج في التلقي والعمل، وأسلوب في التعلم والتطبيق، وهو فرض كفاية في حق الأمة، وفرض عين في حق كل مسلم عندما يباشر التلاوة والتدبر.

وتلاوة القرآن حق تلاوته ما قال الإمام أبو حامد الغزالي:” هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ”.

وللتلاوة مقاصد عظيمة وآثار جسيمة في القلب والروح بل هي من أسباب الفوز والفلاح ومن جوالب السعادة واليقين في حياة المسلم. ولعل من أبرز النيات التي نقرأ القرآن بها ما يأتي:

1. نية حصول الهداية والبصيرة والأمن وشفاء الصدور.

2. نية التقرب والتعبد والتدبر.

3-نية الانتفاع به وإعمال نصوصه في حياتنا.

4-نية التحصن والتحرز والوقاية من همزات الشياطين.

5-نية حفظ النفس من الأهواء والزلات والغوائل والغفلات.

6- نية المحاسبة والمراجعة والتقويم

7- نية إخراج الأمة من الظلمات إلى النور.

8-نية الافتقار وكسب الأجر والثواب.

9-نية حصول السكينة والسعادة في حياتنا.

10-نية المحبة وجمع القلوب وتأليفها على سنن الهدى.

11-نية الوقوف عند عجائبه وتحريك القلوب بها.

12 نية الرحمة والمودة والتسامح ومكارم الأخلاق.

والتلاوة بمعناها الرباني هي طريق مُحكَم في التعامل مع القرآن، وهي التي تثمر حقيقة الإخلاص والحب والعمل، وتعطي الإيمان بعده الوجداني والواقعي الذي لا ينفصل فيه القول عن العمل، ولا النية عن السلوك، قال تعالى:( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به”.

قل العلامة ابن القيم: “التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه، تصديقا بخبره، وائتمارا بأمره، وانتهاء بنهيه

وائتماما به؛ حيث ما قادك انقدت معه. فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه وتلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة؛ فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقا”. مفتاح دار السعادة (1/203)

ولا تقتصر التلاوة هنا على أداء حروف القرآن بل تتعدى ذلك إلى حدوده وزواجره، وأوامره ونواهيه، وحلاله وحرامه؛ وذلك من مشمولات حق تلاوته التي هي منهج عدلٌ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور). وقال الحسن البصري:( ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي وإنما هو ما وقر في القلب وصدقه العمل).

وتكمن أهمية التدبر في كونه من أهم مقاصد الوحي والتنزيل التي هي من موجبات الهداية والترقي في مدارج العلم والإخلاص والحكمة ومعارف القلب والروح.

ويحسن أن ترتبط التلاوة بالتدبر كما هو هدي القرآن وديدنه؛ لما في ذلك من المنافع والفوائد الجالبة لحقائق الإيمان والتقوى، والرقي في مدارج العلم والمعرفة الربانية.

التدبر في اللغة مشتق من مادة “د ب ر” وهي” تدل على آخر الشي وخلفه، يقال دبَّر الشيء وتدبَّره: نظر في عاقبته واستدبره رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، والتدبر في الأمر التفكر فيه”[1].

وقد ورد لفظ “التدبر” على صيغة التَّفعُّل للدلالة على التكلف والتعقب والنظر مرة بعد مرة وكرة بعد كرة لحصول الأثر الناجم عن المجاهدة التي يجعلها المتدبر عنوانا لجهده ونصبه واجتهاده في تحقيق المراد.

والتدبر في الاصطلاح:

1-“هو تحديق ناظر القلب إلى معاني القرآن، وجمع الفكر على تأمُّله وتعقُّله، وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر”[2]. وقال ابن القيم في موضع آخر في توضيح المراد من التدبر: “وتدبر الكلام أن ينظر في أوله وآخره ثم يعيد نظره مرة بعد مرة، ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين” كما قال أيضا: “إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله”[3].

2-قال العلامة الألوسي: “وأصل التدبر: التأمل في أدبار الأمور وعواقبها، ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه”[4].

3- قال الخازن: “أصل التدبر: النظر في عواقب الأمور، والتفكر في أدبارها، ثم استعمل في كل تفكر وتأمل، ويقال “تدبرت الشيء” أي: نظرت في عاقبته، ومعنى تدبر القرآن تأمل معانيه، والتفكر في حكمه، وتبصر ما فيه من الآيات”.[5]

4-قال الإمام السيوطي: “وتسن القراءة بالتدبر والتفهم.. وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصَّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ أو تنزيه نزَّه وعظَّم، أو دعاءٍ تَضَّرع وطلب”.[6]

5-قال الإمام الشوكاني: “إن التدبر هو التأمل، لفهم المعنى، يقال: (تدبرت الشيء) تفكرت في عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، والتدبر أن يدبر الإنسان أمره، كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته”[7].

6-ولا تختلف عبارات المعاصرين كثيرا عن هذه المعاني يقول الشيخ عبد الرحمن حَبنَّكة الميداني معرفا التدبر: “التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة”[8].

7-قال الشيخ سليمان السنيدي: “تدبر القرآن هو تفهم معاني ألفاظه والتفكر فيما تدل عليه آياته مطابقة، وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به، مما لم يعرج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه لأوامره، وأخذ العبرة منه”[9].

8-يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: “هو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك”[10].

9-يقول العلامة الشنقيطي في أضوائه: “تدبر آيات هذا القرآن العظيم أي تصفحها، وتفهمها، وإدراك معانيها والعمل بها”[11].

10-قال الدكتور أحمد آل سبالك: “أما المعنى الاصطلاحي لتدبّر القرآن كما ورد في كتب التفسير فهو: التفكُّر في غاياتِ القرآنِ ومقاصدِه التي يرمي إليها، ويأتي ذلك بالتفهّمِ والتأمّلِ والتفكُّرِ في معاني الآيات ومبانيها”[12].

ونستنتج من تعريفات العلماء والمفسرين مجموعة من الحقائق والقيم المتصلة بصلب التدبر:

1- أن التدبر موجب للفهم والعلم والتدين.

2 – أن التدبر منهج شامل وكامل في التلقي والتعامل مع حقائق الإيمان والنفس والواقع والقرآن.

3- أن التدبر موجب لحصول التوبة والإنابة وكمال الهداية.

4-أن التدبر موجب لأخذ العبرة والانتفاع بعلوم القرآن وآدابه وتعاليمه.

5- أن التدبر موجب للدعاء والافتقار والانكسار والتقرب

6- أن التدبر موجب للتفكر في مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة وتحقق القلب بتلك المعارف والقيم.

7- أن التدبر ليس مجرد معرفة فكرية أو عقلانية بل هو عمل وإنجاز، وهدي وسمت، وسيرة ومواقف.

8-أن التدبر ليس قولا بلا عمل بل هو التأمل والتعقل والتفكر ومعارف القلب والقيام بمقاصد التنزيل على وفق هدي محمد عليه الصلاة والسلام.

9- أن القلب عندما تخالطه بشاشة الإيمان، ويصفو من الشوائب والشهوات وتأخذ فيه الآخرة مساحتها الحقيقية ويتعلق صاحبه بالله تعالى خوفا ورجاء وتوكلا ويقينا لم يعد يُقدِّم على تلاوة القرآن وتدبره ودراسة معانيه ومقاصده والاشتغال به أي عمل من الأعمال التي ليست فروضا عينية وذلك على ملة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث قال: “لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن”.

وكان الصحابة يتعلمون الايمان قبل القرآن ويقفون مواقفه وما يتعرضون له من الفتنة والابتلاء والتمحيص   والفعل والترك والصبر والثبات والشدة والقسوة والتكذيب والتثبيط والتجويع والحصار والأذية والتهديد ولا يزدادون بذلك إلا قوة وعزيمة ويقينا؛ لأن الآيات التي تتنزل على نبيهم -وهم في الميدان والمكابدة- إنما كانت للتثبيت والتنفيذ والنصرة والتأييد… ثم اختلف الحال وتغيرت أولويات التربية فصار الناس يحفظون القرآن  ولا يهتمون بتحصيل الإيمان الحقيقي الميداني بل تحول الأمر في الغالب إلى ألفاظ ومصطلحات  وما يسمى  في العصور المتأخرة بعلم الكلام:” قال عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدَّقَل !! ).

وحاصل الأمر

1-أن الجمع بين التلاوة والتدبر في شهر الصيام والتنافس في ذلك من أعظم القربات، وأجل الأعمال، وأربح المكاسب، وأوفر الحظوظ والفرص التي تزودنا بها المدرسة القرآنية الرمضانية.

2- فكيف إذا اجتمعت معها قيم وصفات أخرى كالقيام والدعاء والتضرع والتبتل وإفشاء السلام وإطعام الطعام ولين الكلام والإحسان إلى المسلمين.

3 -فكيف إذا اجتمع مع ذلك الكف عن أعراض الناس وستر عوراتهم وأداء حقوقهم وحفظ أموالهم ونفوسهم ودمائهم ومجاهدة النفس على ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ألَا أُخْبِرُكُم مَنِ المُسلِمُ؟ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِه، والمُؤمِنُ مَن أمِنَه الناسُ على أمْوالِهِم وأنْفُسِهم، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ، والمُجاهِدُ مَن جاهَدَ نَفْسَه في طاعةِ اللهِ) أخرجه الترمذي مختصرا والإمام أحمد واللفظ له.

4-وليس أنفع للقلوب من التلاوة والتدبر والتفهم وانشغال القلب بالقرآن في كل حين؛ فذلك من موجبات حلاوة الإيمان وإصلاح القلب وتحقيق السكينة والسعادة في الحياة:” يقول العلامة ابن القيم: “فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وتذوق حلاوة القرآن… فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل إصلاح القلب” مفتاح دار السعادة (1/535-536)

…………………………………….

مدينة العين 28/4/2021

الموافق 5/9/1442

 

[1] – مقاييس اللغة لابن فارس. ج2 / 324: ولسان العرب لابن منظور، ج4/ 237

[2] – مدارج السالكين لابن القيم، ج1: ،475

[3] – الفوائد لابن القيم، ص: 3

[4] – روح المعاني، ج5/ 92

[5]-لباب التأويل في معاني التنزيل، ص: 1،: ج1/ 402

[6]-الإتقان في علوم القرآن،: ج1/127

[7]- فتح القدير، ج1/ 491

[8]-قواعد التدبر الأمثل للميداني، ص: 10

[9]-تدبر القرآن، ص: 11

[10]-تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن: ج1/ 189

[11] – أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ج7/ 429

[12]-فتح من الرحمن في بيان كيفية تدبر كلام المنان، ج1/72

زر الذهاب إلى الأعلى