السياسة والإعلام والتدوين بموريتانيا / المختار محمد يحيى

عرف الموريتانيون خلال عقود متتالية فن السياسة، وبواسطته حجزوا أماكن لهم في مشهد التداول على صناعة الرأي والمشاركة في القرار، لكن تلك الممارسة أخذت أشكال متعددة، وعرفت فرصا غير متكافئة، وإمكانيات تفاضلت بين القوي والضعيف، كما أن للإعلام دورا هاما في بلورة خطابات سياسية أخذت قوتها من تقبلها من لدن الرأي العام، وسرعة انتشارها، ذلك الإعلام الذي بدأت تؤثر عليه أنماط جديدة من الفعل المٌشارك، والذي قدم آراءه بأنواع مستحدثة وقوالب متعددة، اقتحمت المجتمع وانتشرت بين أفراده من خلال تطور وسائل الاتصال وتقدم فنون صناعة المحتوى الإلكتروني، ومن ذلك ما صار يعرف بالتدوين، الذي أصبح فنا جديدا يستغله كل من السياسي والإعلامي بالإضافة إلى امتهانه ممن ليس من الإثنين.

فمنذ نشأة الدولة الحديثة وما تلى ذلك من مركزتها وجعلها الأساس الذي منه تدار مختلف المصالح العامة، وما حمله انتشار الجفاف في السبعينات والذي قوض بقاء جيوب عصر السيبة، ودفع أعضاءها إلى الارتماء في حضن الدولة، للحصول على مساعداتها وما تسعف به المواطنين، الذين فقدوا أسباب بقائهم في أريافهم، ودعائم حكمهم التقليدي، تولد الوعي لدى المتصدين للشأن العام بضرورة القرب من السلطة الحاكمة، ومعرفة طرق الفوز بودها، وإظهار الولاء لها، وهو ما ساهم في تشكل الخطابات التأييدية والمناصرة لسياسات الدولة، فكان الوجهاء والرجال المؤيدون يحملون على عواتقهم نشر سياسات الدولة ورؤيتها داخل الكانتونات القبلية، تلك المنزوية، الرافضة لكل ما هو منظم، ولكل إملاء جديد من الإدارة المركزية، لكن شيئا فشيئا عرف الجميع أن لهم حاجة في هذا الكيان الذي يمتلك السلطة ويمتلك المال والرجال، وأن لديه محاذير هي القانون عليهم ألا يقربوها، وشاعت عبارات مثل “الدولة ما تعاند”.

في ذلك الجو الأحادي، من ناحية أن لا ملجأ سوى للدولة، بدأ الرجال المتسيسون يمضّون خطاباتهم لتكون حادة وذات فعالية في التأثير سواء على من يتبعون لهم تقليديا أو جهويا، وسواء في الاتجاه الآخر وهو الدولة، وذلك بتجربة أنواع من الخطابات كل عند الحاجة والضرورة، فاستطاع بعض منهم حجز ودها واتقاء شرها، كما أن آخرين فشلوا وتشكلت لديهم عداوة معها، وفي فترات متلاحقة جعلتهم يغبنون في حقوقهم التي كان لهم أن يحصلوا عليها مهما كان موقفهم من الخطاب الرسمي أو بتوجهات قيادته.

ومع بداية عصر جديد مع إعلان موريتانيا مطلع التسعينات فتح صفحة جديدة مع السياسيين المغاضبين،  وبدأ التعددية وصدور قانون الأحزاب وتنظيم الانتخابات، لعب السياسيون دورا كبيرا للحيلولة دون وصول خطابات أخرى، خلافا لليافطات وشعارات الديمقراطية التي رفعتها الدولة، إلا أن هؤلاء شكلوا الحائط الممانع من تفعيل تلك الخاصية، فكان الخطاب واحدا صادرا عن الحزب الحاكم، في حين تنعت جميع الخطابات الأخرى بنعوت تسيئ إليها وإلى الأحزاب التي تصدر عنها، كما أنها استهدفت قادة الرأي السياسي، لتخلق في العقل الجمعي صور سيئة لرؤساء تلك الأحزاب، وذلك وفقا لاستراتيجية سياسية لدى الدولة والنظام القائم آنذاك، فهي تضمر ما لا تعلنه للرأي العام وللمجتمع الدولي المخدوع بنزاهة اللعبة وطنيا.

وفي عهد الحرية الذي نعيشه يرحب بجميع الآراء والمواقف، بما فيها حرية الرأي السياسي وحرية الإعلام، والحريات الفردية، ما دامت تحترم القانون، ولا تتجاوز حدود الحرية للمس من حرية الآخرين، أي أن الرأي هو دون الساعي لبث الفتنة أو المس من المقدسات، ولعل القانون واضح في الفصل بين السلطات باعتباره مبدأ أساسا، فاستقلالية القضاء الآن هو مبدأ لدى الدولة والركيزة التي تعول عليها البلاد للنهوض بعد دحر شر الفساد، وجميع المسلكيات المقيتة.

وبالعودة للسياسة فإن انتشار الوعي بواسطة عوامل عديدة، من خلال تطور الخطاب السياسي وتجريبه لمختلف صنوف الممانعة والتخندق والتحالف، وبما أن العصر عصر إعلام، فإن الخطاب تنوعت قنواته، التي تنقله إلى شتى الربوع والأصقاع، فتحول السياسيون إلى صناع رأي حقيقيين، لأن لخطاباتهم متلقين يتقاسمون معهم نفس المواقف، ويؤثرون بواسطتها على أجزاء من أنصار التكتلات السياسية الأخرى.

ورغم أن الخريطة السياسية شهدت تغييرا كبيرا، فقد تحول السياسيون إلى مستغلين لتلك القنوات للتأكيد على وجودهم والدفع بخطابهم، وللأسف دون الرجوع دائما إلى قواعدهم الشعبية، في تراجع عن القيام بالعمل التوعوي والإسهام في البناء الوطني الذي هم حجر أساس فيه، سواء في بناء الوعي الجمعي، أو بواسطة المشاركة الفاعلة في الإشراف والنصح في تطبيق مصالح الشعب، وفق المساطر التي تحفظ حقوق الشعب، حتى لو ضم تلك المصالح برنامج انتخابي لغريم سياسي.

لقد تحول السياسي شيئا فشيء إلا شبيه إعلامي، قلما تعد له وجودا ميدانيا إلا عبر الشاشة، وصار ديدنه الخروج عبرها للتعليق والإدلاء بدلوه حول الأحداث، كأنه مجرد مراقب، كما أن السياسة كادت أنت توصف بمهنة البيانات، وفي الحقيقة فإن المراقب وصف كان وقفا على الإعلامي إلى زمن قريب، الذي يتجاوز في سياقه عملية الاتصال (نقل المعلومة) إلى عملية التفسير، وذلك بواسطة التحليل للمجريات والظواهر والأحداث، ومحاولة التنبؤ بما ستتطور إليه مجريات الأمور وما سينتج عنها من أوضاع.

إن هذه الظروف جميعها أنشأت إعلاميين أيضا بفعل تكوينهم السياسي التقليدي (تبعا للحالة العامة) والذين يحاولون من خلاله كما أشرنا سالفا التموقع ووجود موطإ قدم لهم في المشهد العام، حيث يقوم الإعلامي بعملية قرص أذن للجمهور كلما أحس بأنه ابتعد أو شرد، لافتا إنتابهه إلى نفسه، فهو (الإعلامي) وإن كان حلقة أساسية في وصول الخطاب السياسي إلى الجمهور، إلا أنه مساهم في تشكله، بل وأحيانا يصنع الأحداث من لا شيء، ولا يعجبه بأي حال من الأحوال ركود المشهد العام السياسي أو الاجتماعي أو غيره، من الأحداث وخصوصا تلك الدراماتيكية.

كما أن الإعلامي شريك السياسيين بطريقة أو بأخرى فإنه يقوم بالحرب بالوكالة كثيرا، عن ؤلائك السياسيين ويقوم بفضح تصرفات آخرين، محاولا إغلاء قيمته داخل التجاذبات لفرض نفسه كفرد (الإعلامي) كشخصية مؤثرة أو هامة، هذا طبعا إذا كان متحليا بنوع من الاستقلالية، فكثيرا ما تكون المؤسسة الإعلامية موجهة من قبل تيار سياسي أو فكري، أو حتى إثني، يعطيها حرية في حدود معينة، ويحاسبها على أخطاء معينة، خاصة إذا أعطت فرصا أكبر لقوى سياسية أخرى، كما أن ذلك الإعلامي يحاول حصد نتائج نجاح مؤسسته في سجل نجاحاته الشخصية – وله الحق أحيانا -، دون أن يعرف أن ما قام به لا يتخطى كونه عمله، رغم ما قد يثار حوله من ملاحظات ونقاط استفهام وغيرها.

ذلك الإعلامي، وفي محاولة توجيه الانتباه إلى شخصه، وجد نفسه دون أن يدري ينشر على حسابه الشخصي في وسائل التواصل وتحت صورته الشخصية، محاولا الضغط على كل الجهات بأنه هنا، وهو شخص فاعل ويؤثر وربما يعض ويلدغ، وهذا ما تنفيه مواثيق المهنة الصحفية، فكم من مؤسسة إعلامية عريقة حظرت على صحفييها التعبير عن آرائهم الخاصة على صفحاتهم، وخصوصا في الموضوعات التي يعالجون في عملهم، وذلك إنما جاء بهدف عدم استغلال ضغط المؤسسة من جانب الصحفيين لمكاسب شخصية.

ولعل كان من الذكاء دعوة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الإعلام والصحافة إلى مواكبة برامج الحكومة، في إشارة واعية وفطنة إلى أهمية دور الإعلام المهني في الرقابة وحماية مصالح الشعب، وفي محاربة الفساد وتبديد أموال الخزينة، وهو وعي بدور هذه المؤسسة الدستوري في حماية الديمقراطية والتعددية، بالإضافة إلى توطيد الحكامة والشفافية، وليس يعني ذلك – ما نراه أيامنا هذه – نزوع بعض المؤسسات الإعلامية للتشويش بموضوعات غير حقيقية على الجهد الحكومي.

فكما شاهدنا أن السياسي تحول إلى إعلامي فإن الأخير تحول أيضا إلى وحش خرافي يسمى المدون، ذلك البعبع الذي سنراه يتغول فيما بعد، ورغم أن كل التعريفات التي استقيناها من الملتقيات في مجال التعددية والصحافة والمنابر، والتي تشير إلى أن المدون ناقل صور وأحداث قد يكون فاعلا فيها، بحيث لا يعتبر ناقلا حياديا، وبأنه ينتمي إلى “صحافة المواطن”، بحيث ينقل وجهة نظره للأحداث دون أن يتمتع بالمصداقية التلقائية، كما تفترض في وسائل الإعلام التقليدية، فظهر المدون مستغلا فرصة أن الجميع اتخذوا الانترنت ميدانا لهم فاقتحمه عليهم، وزاحم السياسي والإعلامي، والذين قلنا سابقا إنهم يحذون حذوه، في عملية دائرية، كالحلقة المفرغة، فبدأ هو أيضا يوجه الرأي العام – دون وعي – جيئة وذهابا، في خضم تيهانه باحثا عن الحقيقة، لكن كثرا من المدونين غلبت عليهم الشعبوية والسطحية في الطرح، بالإضافة إلى عدم معرفتهم بالأساليب اللائقة قانونا وأخلاقا لخطاب الجمهور العام.

ذلك الضعف البنيوي في طريقة تصرفات المدونين وأقوالهم وأفعالهم، وبما أنهم في نفس الحقل مع السياسي والإعلامي، جعلهم يؤثرون على الجميع، لتسود الأساليب الفجة وطرحها الذي يقوم على توزيع الاتهامات دون دليل ومهاجمة الشخصيات الاعتبارية دون أدنى اعتبار، مشكلين بذلك هبوطها حادا في مستوى الخطاب السياسي والإعلامي و”المواطني” إذا اعتبرنا المدون صحفيا مواطنا، ولقي هذا الأسلوب تجاوبا مع الجمهور الذي لم يعرف بعد النموذج الصحيح، وضرب ذلك في مصداقية الجميع، وتأثرت سمعة الكل.

ولأن من ضمن الجميع من السياسي والإعلامي والمدون، يوجد هنالك الوطنيون الساعون لتقديم الأفكار والآراء والنصائح قصد المساهمة الفعالة في بناء الحلم الموريتاني، إلا أن المصالح الضيقة والبحث عن الفوائد المعجلة جعل كثيرا منهم يسيؤون للحقول التي ينتمون إليها، ويسيؤون للمواطنين والمتابعين الذي صدقوهم ووثقوا في خطابهم.

ولعل على الجميع أن يستفيدوا من هذه الفرصة التي يعيشها البلد، من حيث الهدوء السياسي والاجتماعي، وأن يكون هنالك هدوء إعلامي و”تدويني” إن جاز التعبير، لتصب جميعها في مصلحة الوطن، الذي يسعى بثقة وقوة – أكثر من أي وقت مضى – للتغلب على مختلف معوقات بناء الدول، وتشييد نهضة حضارية، قوامها التنمية في مختلف الصعد والمجالات.

ولعل ما يشين الفعل الذي ينتمي للحقول الثلاثة، هو ضعفه أمام أصحاب الأجندات ومقدمي الرشى من تحت الطاولات، قصد ضرب الحقيقة والمصداقية، ومناصرة أعداء التغيير، فعلى الجميع توخي أقصى درجات الوطنية في ما بينه ونفسه، وتغليب مصلحة الأجيال القادمة، والابتعاد عن التعاطف القبلي والجهوي والإثني، على حساب المصلحة العامة، وأن يقف الجميع في وجه الإغراءات، فقريبا سنحتفل جميعا بانتصار البلاد على الفساد، وتقوم دولة القانون على أسس متينة، ويعيش الجميع تحت ظل المساواة، والعدالة الاجتماعية، وينتهي الغبن والحيف، ويحصل الجميع على حقوقهم من ثروات بلادهم.

زر الذهاب إلى الأعلى